عربي | فارسي
 
 
 
41
105
538
1686
35077

الإمام أبو الحسن الندوي

أضيف بتاريخ : الجمعة, 22 فبراير 2013     |      عدد المشاهدات : 725

الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي أحد أعلام الدعاة إلى الإسلام في عصرنا بلا ريب ولا جدال، عبَّرت عن ذلك كتبه ورسائله ومحاضراته التي شرقت وغربت، وقرأها العرب والعجم، وانتفع بها الخاص والعام. كما أنبأت عن ذلك رحلاته وأنشطته المتعددة المتنوعة في مختلف المجالس والمؤسسات، وبعض كتبه قد رزقها الله القبول، فطبعت مثنى وثلاث ورباع، وأكثر من ذلك، وترجمت إلى لغات عدة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
المفكر الإسلامي الكبير، والعلامة الداعية سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي بن العلامة السيد عبد الحي بن السيد فخر الدين، الذي يتصل نسبه بالحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين. هاجر جده الأمير السيد قطب الدين محمد المدني عام (677هـ)، في أوائل القرن السابع الهجري.

 

النشأة:
ولد الشيخ الندوي بقرية «تكيّة كلان» من مديرية «رائي بريلي» قرب «لكهنؤ» بالهند عام (1332هـ/1913م)، ونشأ في أسرة متديّنة متعلّمة، نبغ منها عدد من العلماء والدعاة، كان من أبرزهم أبوه الشيخ عبد الحي الذي يعدّ بحق «خلّكان الهند» العالم المصلح والداعية المخلص، أستاذ التفسير والأدب في دار العلوم، صاحب المصنفات المشهورة مثل:
• «نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر في تراجم علماء الهند وأعيانها»، طبع باسم «الإعلام بما في تاريخ الهند من الأعلام» في ثمانية مجلدات.
• «الهند في العهد الإسلامي».
• «الثقافة الإسلامية في الهند».
أما أمّه فكانت خير النساء، شريفة النسب، شاعرة، عابدة، حافظة للقرآن، ومؤلّفة للكتب.
ولقد تولّى أخوه عبد العلي تربيته بعد وفاة والده وهو في التاسعة من العمر. فحفظ القرآن في البيت وجوّده، تعاونه أمه. وعندما بلغ الثانية عشرة من عمره درس العربيّة على خليل محمد اليماني، والأدب العربي على محمد تقيّ الدين الهلالي، وأتقن الإنجليزيّة والفارسيّة، إلى جانب لغته الأورديّة، وقرأ التفسير على الشيخ أحمد بن علي في لاهور، ثم أكمل تعليمه في دار العلوم بندوة العلماء، ودار العلوم في ديوبند، وجامعة لكهنؤ، وتلقى تربيته الروحيّة على الشيخ عبد القادر الرائي فورى. كما تأثّر بفكر الإمام أحمد بن حنبل، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وأحمد بن عبد الأحد السرهندي، وشاه ولي الله الدهلوي، وكان الشيخ محمد إلياس من أعظم أساتذته، كما كان لمحمد إقبال أثرا كبيرا في توجيهه الأدبي والفكري.

 

حياته العلمية والعملية:
عمل مدرّسًا بدار العلوم في لكنهؤ مدّة عشر سنوات، واشتغل بالصحافة، وساهم في تحرير مجلّة «الضياء» التي تصدر بالعربيّة، والتي ترأّس تحريرها مسعود الندوي، ثم ترأس تحرير مجلّة «الندوة العلميّة» التي كانت تصدر عن ندوة العلماء بالأورديّة، ثم أصدر «مجلّة التعمير» النصف شهريّة بالأورديّة، ويعتبر أحد رؤساء التحرير لمجلّة «معارف» الأكاديميّة التي تمثّل المسلمين في شبه القارّة الهنديّة.
كما أسّس جمعيّة لنشر الإسلام بين الهنود، وتولّى رئاسة جامعة دار العلوم «ندوة العلماء» وأنشأ المجمع الإسلامي «أكاديمية البحوث الإسلاميّة» سنة (1959م)، وأسس حركة «رسالة الإنسانية» عام (1951م)، وأسس المجمع الإسلامي العلمي في لكهنؤ عام (1956م)، وشارك في تأسيس هيئة التعليم الديني للولاية الشمالية عام (1960م)، وفي تأسيس المجلس الاستشاري الإسلامي لعموم الهند عام (1964م)، وفي تأسيس هيئة الأحوال الشخصية الإسلامية لعموم الهند (1972م)، وفي تأسيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية (1986م).
نال عضوية عدد من المجامع العلمية والمؤسسات العالمية مثل: رابطة العالم الإسلامي، والمجلس الأعلى العالمي للدعوة الإسلامية، ومركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، ومجامع اللغة العربية في دمشق والقاهرة وعمان وغيرها.
نال العديد من الجوائز العالمية منها: جائزة الملك فيصل في الرياض (1400هـ)، وجائزة الشخصية الإسلامية في دبي (1419هـ).
وزار الأمصار والحواضر، وعاش صدر حياته في قصر صدّيق حسن خان العالم السلفي، الأمير الكبير... أسكنوه فيه بعد موت أبيه، فذاق حياة الترف والنعيم، ولكنه زهد فيها، واشتغل بالدعوة مع جماعة «التبليغ الإسلامي» بعد لقاءه بالشيخ «محمد إلياس» مؤسس الجماعة.
ولقد بنى -رحمه الله- للإسلام في نفوس تلاميذه حصونًا أمتن من حصون الحجر، وبنى أمّة من العلماء الصالحين، والدعاة المخلصين.

منهجه الفكري والدعوي:
كان -رحمه الله - يرى أن الأحداث التي عاصرها وعلى رأسها سقوط الخلافة، دعمت إيمانه بأن الإسلام لابدّ أن يتولّى الزمام لإنقاذ العرب والعالم، لأن الحل الوحيد لمأساة الإنسان يكمن في تحوّل قيادة العالم إلى أيد مؤمنة بقيم الإنسانيّة، وكان محور إصلاحه: مكافحة الغزو الفكري، وبثّ روح الاعتزاز بالإسلام في المسلمين، ومقاومة الردّة وآثارها، وخاطب العرب وركّز عليهم اهتمامه، لأنّهم في رأيه يحملون استعدادًا روحيًّا ومعنويًّا وماديًّا لقيادة العالم الإسلامي، وبالتالي لقيادة العالم أجمع، وكان حريصًا على نهضة العرب بمواهبهم وكفاءاتهم.
وحدّد واجب العلماء والطبقة المثقفة في مقال منشور بمجلّة «البعث الإسلامي» قائلًا: «إن مسؤوليّة العلماء والمفكّرين المسلمين في العصر الحديث - بعد مواجهتهم للتحدّيات المعاصرة وإثباتهم أن الإسلام قادر على قيادتها وترشيدها والسموّ بها - هي أن يفضّلوا الإسلام على كل جماعة، ومؤسّسة، ومدرسة، وطائفة، وحزب، وإذا رأوا أن بقاء الإسلام يتطلب أن نمح جميع الأسماء واللافتات والشعارات والشارات والأحزاب والجماعات، فليكن ذلك موضع عنايتهم، ولا يقع تلكؤ منهم أو إحجام للحظة واحدة، وليكن مصلحة الدين والعقيدة مفضّلة على عمل كل مصلحة حزبيّة، أو جماعيّة، وليكن واضحًا أن الدين والإيمان وازدهارهما هو الهدف، سواء رجع الفضل إلينا أو لغيرنا من الإخوان في العقيدة والدين».
ومن أبرز تأمّلاته: قضيّة الإصلاح والتغيير، حيث رأى أنّ المنهج الإصلاحي الذي نريده ينبع أساسًا من تكوين الفرد تكوينًا نوعيًّا، ويحمل على بعض المصلحين الذين خلطوا الواقع الإصلاحي بالتجربة والروح الغربيّة، وكان يندهش من المسلمين الذين اطمأنّوا لتدريس أبناءهم في المؤسسات العلميّة الغربيّة، وغفلوا عن هدف الغرب في القضاء على الهويّة الإسلاميّة لهم، وتنبّه إلى ضرورة إحداث تغيير شامل في الجامعات الإسلاميّة من خلال ربط العلم بالتربية؛ وأولى اهتمامًا كبيرًا بالمنهل العلمي الذي يتلقّاه الشباب، فلا بدّ من تصفية هذا المنهل من خلال توحيد التعليم ليكون وحدة شاملة تجمع بين الوسائل والغايات.
ولقد أحب الشيخ أبو الحسن وهو في العاشرة، رحمة العالمين محمدا المصطفى صلوات الله عليه وسلامه، وشغف حبا بإرثه المعجز الذي بلغ عن ربه .. الهدى الذي ما كان -صلى الله عليه وسلم- ينطق به عن الهوى، وملأ عليه هذا الحب السمع والبصر والفؤاد، ومنحه هذا الحب استعلاء إيمان، وسداد نظر، واستواء سلوك.
ثم نظر من حوله فراعه أن يرى كثيرًا من أصحاب إرث النبوة - معجزة رب العالمين، وهدي رسوله الأمين- يعرضون عنه ويتخذونه وراءهم ظهريًا، ويتولون الذين كفروا -ولبئس ما فعلوا- ويتبعونهم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع في مناهج التفكير وطرائق السلوك .. راعه أن يرى أشد طبقات المجتمع إفلاسًا في هذا الحب الطبقة العصرية المتعلمة، فكانت لذلك «أجوفها روحًا، وأضعفها مقاومة، وأخفها وزنًا، وأكدرها حياة، وأضلها عملا» كما يقول.
فكر الشيخ وقدر .. وسرعان ما استيقن أن هؤلاء «الورثة» لا يمكنهم أن يدركوا، مثلما أدرك قيمة هذا الإرث العظيم إلا إذا أحبوه مثلما أحبه.
وعاد الشيخ مرة أخرى ففكر وقدر .. وسرعان ما استيقن أن على عاتقه أمانة تجاه أبناء أمته ..تأديتها على أتم وجه وأكمله أن يذكرهم بإرث النبوة الذي فرطوا فيه، ويستنهض هممهم للعودة إليه، وصياغة حياتهم وِفْقَهُ، ومن قبل هذا .. كان أيقن أن مثل حبه لهذا الإرث مثل شرارة في الرماد كامنة «في قلب كل مسلم» فما عليه إلا أن يثير ما كمن من جذوات الحب لإرث النبوة في قلوب أبناء الأمة الإسلامية، فلا صلاح لهم إلا بإرث النبوة الخاتمة الذي صلح به أولهم.
تجرد للأمر، يعمل له وسع الطاقة إذا أصبح، ويعمل له يوم إقامته ويوم ظعنه، ويعمل له بأفانين من القول: خطبة، ومحاضرة، ومقالة، ورسالة، ودرسًا، وكتابا، وبحثًا .. وهو في كل ذلك لا يكل ولا يمل من إرث النبوة الذي أحب أن يتزود بخير زاد: الإيمان بدعوته، والصبر على ما يلقى في سبيل تبليغها من نصب وعنت.
ومازال أبو الحسن يغرد بهذا الحب،، كما الشحرور!
ومازال أبو الحسن يحلق بهذا الحب، كما العقاب! حتى استضاءت قلوب في الصدور، وأبصرت عن عمى! وحتى استنارت نفوس بين الجوانح، ورشدت عن غي!
وما ظنك بأثر أحاديث وعت من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- الحكمة المخلدة، والفكرة المسددة، والدعوة المجددة؟
ويرى فضيلة الشيخ القرضاوي أن فقه الدعوة عند العلامة أبي الحسن الندوي يقوم على ركائز وأسس تبلغ العشرين، منها انطلق، وإليها يستند، وعليها يعتمد وهي:
1- تعميق الإيمان في مواجهة المادية.
2- إعلاء الوحي على العقل.
3- توثيق الصلة بالقرآن الكريم باعتباره كتاب الخلود، ودستور الإسلام وعمدة الملة، وينبوع العقيدة، وأساس الشريعة.
4- توثيق الصلة بالسنة والسيرة النبوية.
5- إشعال الجذوة الروحية «الربانية الإيجابية».
6- البناء لا الهدم.
7- إحياء روح الجهاد في سبيل الله.
8- استيحاء التاريخ.
9- نقد الفكرة الغربية والحضارة المادية أو الجاهلية الحديثة.
10- نقد الفكرة القومية والعصبيات الجاهلية.
11- تأكيد عقيدة ختم النبوة.
12- مقاومة الردة الفكرية.
13- تأكيد دور الأمة المسلمة واستمرارها في التاريخ نبراس هداية للبشرية.
14- بيان فضل الصحابة ومنزلتهم في الدين.
15- التنويه بقضية فلسطين وتحريرها.
16- العناية بالتربية الإسلامية الحرة التي لا تستمد فلسفتها من الغرب ولا من الشرق.
17- العناية بالطفولة والنشء والكتابة للأطفال والناشئين بوصفهم رجال الغد.
18- إعداد العلماء والدعاة الربانيين.
19- ترشيد الصحوة والحركات الإسلامية التي يشهدها العالم الإسلامي.
20- دعوة غير المسلمين للإسلام.

ثناء العلماء عليه:
• قال عنه الشيخ الغزالي - رحمه الله -: هذا الإسلام لا يخدمه إلا نفس شاعرة محلقة، أما النفوس البليدة المطموسة فلا حظ لها فيه .. لقد وجدنا في رسائل الشيخ الندوي لغة جديدة، وروحًا جديدة، والتفاتًا إلى أشياء لم نكن نلتفت إليها .. إن رسائل الشيخ هي التي لفتت النظر إلى موقف ربعي بن عامر – رضي الله عنه - بين يدي «رستم» قائد الفرس وكلماته البليغة له، التي لخصت فلسفة الإسلام في كلمات قلائل، وعبرت عن أهدافه بوضوح بليغ، وإيجاز رائع: «إن الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام» .. أبو الحسن الندوي - فيما أعلم - هو أول من نبهنا إلى قيمة هذا الموقف وهذه الكلمات، ثم تناقلها الكاتبون بعد ذلك وانتشرت.
• وقال الشيخ القرضاوي: كان يتمتع بخمس صفات تميزه عن غيره من العلماء، فهو إمام رباني إسلامي قرآني محمدي عالمي.. فأما أنه رباني فلأن سلف الأمة قد أجمعوا على أن الرباني هو: من يعلم ويعمل ويعلِّم، وهي الصفات الثلاثة التي كان يتحلى بها الشيخ، وأما أنه إسلامي فلأن الإسلام كان محور حياته ومرجعه في كل القضايا والدافع الذي يدفعه إلى الحركة والعمل والسفر والكتابة والجهاد، ساعيا لأن يقوي الجبهة الداخلية الإسلامية في مواجهة الغزوة الخارجية عن طريق تربية الفرد باعتباره اللبنة الأساسية في بناء الجماعة المسلمة، وأما أنه قرآني فلأن القرآن هو مصدره الأول الذي يستمد منه ويعتمد عليه ويرجع إليه ويستمتع به ويعيش في رحابه ويستخرج منه اللآلئ والجواهر، وأما أنه محمدي فليس لمجرد أنه من نسل الإمام الحسن حفيد الرسول - صلى الله عليه وسلم - فكم من حسنيين وحسينيين تناقض أعمالهم أنسابهم «ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه» بل لأنه جعل من الرسول الكريم أسوته في هديه وسلوكه وحياته كلها واتخذ سيرته نبراسا له في تعبده وزهده وإعراضه عن زخارف الدنيا وزينتها فهو يعيش في الخلف عيشة السلف.
• وقال د. أحمد الشرباصي - رحمه الله -: له غرام أصيل باقتناء الكتب. فأعز ما يحرص عليه من عرض الحياة هو كتبه، فهو لا يقتني الكتب للزينة بل ليهضمها قراءة وبحثًا ونقدًا، وله قدرة على الارتجال بالعربية يتدفق كالسيل، بلغة فيها الصور البيانية البليغة.
• ووصفه الشيخ علي الطنطاوي لما زاره سنة (1373هـ/1954م) في لكهنؤ فقال: وجدته في الأحوال كلّها، مستقيمًا على الحق، عاملًا لله، زاهدًا حقيقّيًا، زهد العالم العارف بالدنيا وأهلها.
• ويقول عنه د. حسن الوراكلي: لقد وجدتني بإزاء رجل رزقه الله من محبة مصطفاه ومجتباه، ومن التعلق بإرث النبوة رزقًا حسنًا، فهو ينفق منه باليمين والشمال، سرًا وعلانية، بالليل والنهار، وزاده منه باق لا ينفد!
لقد وجدتني بإزاء رجل ملك عليه حبه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولإرث نبوته سمعه وبصره وفؤاده، فعاش حياته يتنفس بهذا الحب، ويبصر به ويسعى .. عاش يرعاه ويتعهده، ويستحث عليه، ويندب إليه مبصرًا بآثاره البعيدة في الإحياء والانبعاث.
حدثني وأفاض بأحاديث أسرت لبي وأخذت بعقلي كالبحر في عمقه ..كالغيم في صفوه .. من مشكاة السبع المثاني كان يقبس .. من مصباح الجوامع النبوية كان يستمد .. كانت أحاديثه إلي تطيب بالحب الذي يضفرها من ألقه الأخضر وبهائه الشذي كالشجر إذ يتنزل عليه ماء مبارك من السماء فيطيب، ويطيب ما حوله.

 

من أقواله الخالدة:
• إن الدين يميز بين تغير سليم وآخر غير سليم، وبين نزعة هدامة وأخرى  بناءة [1].
• إنّ مرد كل هذا الفساد في مختلف نواحي الحياة، ورأس البلاء وأصل الشقاء، هو عدم الإخلاص، وسوء الأخلاق، وإنّ أكبر واجب ومهمة في هذا العصر، هو إحياء الإخلاص والأخلاق وتجديدهما، وأكبر وسيلة للحصول عليهما هو الحب .. والطريق إلى الحب الذكر والصحبة، وعشرة عباد الله الصالحين والعارفين.
• التقدم والتأخر عندنا ليس رجعيا أو تقدميا كما يصوره الغرب : عصور قديمة ومتوسطة وحديثة... كلا بل هو بين مد وجزر، مد مع الارتباط بالكتاب والسنة، وجزر عند التخلي عنهما.
• بالاستعداد الروحي، والاستعداد الصناعي الحربي، والاستقلال التعليمي ينهض العالم الإسلامي، ويؤدي رسالته وينقذ العالم من الانهيار الذي يهدده .. فليست القيادة بالهزل، إنما هي جد الجد، فتحتاج إلى جد واجتهاد، وكفاح وجهاد، واستعداد أي استعداد. كل امرئ يجري إلى يوم الهياج بما استعدا [2].
• إن أقوى وسيلة لتغذية الروح وشحن «بطارية» القلب: قيام الليل، الذي أكثر القرآن من الحث عليه، والترغيب فيه، ومدح أصحابه حتى كأنه ملحق بالفرائض وتابع لها، ولذلك سُمِّي نافلة .. وهكذا كان أئمة المسلمين وقادتهم، وزعماء الإصلاح والتجديد، ورجال التعليم والتربية، ومن نفع الله المسلمين بنفوسهم وأنفاسهم، وكتب لمآثرهم وآثارهم الانتشار الواسع والبقاء الطويل، والقبول العظيم والذكر الجميل، من أصحاب العبادة والسهر في الليالي، والقيام في الأسحار، وأصحاب الصلة الروحية بالله تعالى.
• وقد أكمل الله لنبيه شرح الصدر، إذ لا يتأتى عمل جليل في الدنيا بدون انشراح الصدر، والإيمان الراسخ، والاعتقاد الجازم، واليقين الكامل، وقوة القلب، والثقة بالمبدأ، وما عمل في الدنيا متشكك ومرتاب شيئًا، بل المتشككون أكسل الناس وأقعدهم وأبخسهم، ليس لهم هم في الحياة ولا سرور، ولذا تراهم يقتلون أنفسهم وينتحرون ويعيشون إن عاشوا مهمومين متضايقين متضجرين، فشرح صدره أولًا للنبوة والرسالة، وأخرج حظ الشيطان منه، ثم أكمل له الأسباب التي يحصل بها انشراح الصدر واتساع القلب، ورباطة الجأش وطمأنينة النفس وهدوء البال وقرة العين وحياة الروح.
• تأمل في سورة الفاتحة، التي هي الدرة الفريدة في المعجزات السماوية، وقطعة رائعة من القطع القرآنية البيانية، لو اجتمع أذكياء العالم وأدباء الأمم، وعلماء النفس، وقادة الإصلاح وزعماء الروحانية، على أن يضعوا صيغة يتفق عليها أفراد البشر على اختلاف طبقاتهم، وعلى تنوع حاجاتهم، وعلى تشتت خواطرهم يتقدمون بها أمام ربهم، ويتعبدون بها في صلواتهم، تُعبر عن ضمائرهم ومشاعرهم وتفي بحاجاتهم وأغراضهم، لما جاؤوا بأحسن منها، قال تعالى: ﴿ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ﴾ [الإسراء:88].

 

الثمرات:
كان -رحمة الله تعالى عليه- كاتبًا غزير الإنتاج، صاحب منهج متميّز عن غيره من المفكّرين والباحثين المعاصرين بسبب معرفته لعدد من اللغات كالعربيّة والأورديّة والإنجليزية والفارسيّة، وسعة إطلاعه على مصادر الحضارات غير الإسلاميّة، فضلًا عن تعمقه في التاريخ الإسلامي، فبلغت مؤلّفاته مائة وستّة وسبعين ما بين رسالة وكتاب وبحث، تميّزت كلّها بالغوص العميق في تفهم أسرار الشريعة، والتحليل العميق لمشاكل العالم الإسلامي.
ومن أبرز المؤلفات العربية: «نظرات في الأدب»، «روائع إقبال»، «شخصيات وكتب»، «في مسيرة الحياة»، «قصص من التاريخ الإسلامي»، «قصص النبيين»، «روائع من أدب الدعوة»، «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين».

 

الرحيل:
في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك 23رمضان (1420هـ)، وفي يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وفي آخر يوم من السنة الميلادية التي يعتبرها الكثيرون نهاية القرن العشرين، وقبل صلاة الجمعة، وقد توضأ الشيخ واستعد للصلاة، وشرع في معتكفه يقرأ سورة الكهف من كتاب الله تعالى، كما تعوّد كل جمعة، وافى الأجل المحتوم العلم المفرد، والداعية الرباني، والعلامة المتميز، العربي الأرومة، الحسني النسب، الهندي الجنسية، العالمي العطاء، شيخ الأمة ولسانها الناطق بالحق، الداعي إلى الخير عن عمر يناهز 86 عاما، فرحمة الله تعالى عليه وعلى علماء الأمة المبجلين [3]

[1] مفهوم تجديد الدين / 209
[2] ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين صـ206
[3] من مصادر البحث
• فقه الدعوة عند العلامة "أبو الحسن الندوي"  د. يوسف القرضاوي
• الركائزالعشرون لفقه الدعوة عند العلامة أبى الحسن الندوي د. يوسف القرضاوي
• أبو الحسن الندوي     محمد علي شاهين
• هذا أبو الحسن الندوي .. ناهيك من « محب »  د. حسن الوراكلي
• معجم الأدباء الإسلاميين، دار الضياء للنشر والتوزيع، عمان الأردن، ومجلة الأدب الإسلامي العدد الخاص بالشيخ أبي الحسن الندوي، 26-27.


 


  • تعليقات الموقع
  • تعليقات فيس بوك
الاسم :
التعليق
لا توجد تعليقات في هذا الموضوع حالياً .

الفجر4:07 ص
الظهر5:37 ص
العصر12:26 م
المغرب3:47 م
العشاء8:44 م

رأيك يهمنا ؟ كيف ترى خدمات الموقع ؟

برجاء الإنتظار ...
المتواجدون الآن: 4